العيني

288

عمدة القاري

وقال الكرماني ، ما : موصولة منصوب على الاختصاص ، أو مرفوع بأنه صفة له أو خبر بعد خبر . قوله : ( ولقد سمعت رجالاً ) القائل بهذا هو أبو بكر بن عبد الرحمن المذكور . قوله : ( إلاَّ من ذكرت عائشة ) ، هذا الاستثناء معترض بين اسم : إن ، وخبرها واسم : إن ، هو قوله : ( الناس ) في قوله : إن الناس ، وخبرها هو قوله : ( ممن كان يهل بمناة ) ، ولفط مسلم : ( ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون : إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية ) . وقال آخرون من الإنصار : إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر به بين الصفا والمروة ، فأنزل الله عز وجل : * ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) * ( البقرة : 851 ) . قال أبو بكر بن عبد الرحمن ، فأراها قد أنزلت في هؤلاء وهؤلاء . فإن قلت : ما وجه هذا الاستثناء ؟ قلت : وجهه أنه أشار به إلى أن الرجال من أهل العلم الذين أخبروا أبا بكر بن عبد الرحمن أطلقوا ولم يخصوا بطائفة ، وأن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، خصت الأنصار بذلك ، كما رواه الزهري عن عروة عنها ، وهو في صدر الحديث ، وهو قولها : ولكنها نزلت في الأنصار . قوله : ( أن يطوف بالصفا ) ، بتشديد الطاء ، وأصله : أن يتطوف ، فأبدلت التاء طاء لقرب مخرجهما ، ثم أدغمت الطاء في الطاء . قوله : ( فاسمع هذه الآية ) وهي قوله : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) وقوله : ( فأسمع ) ، بفتح الهمزة وضم العين على صيغة المتكلم من المضارع ، وهكذا هو في أكثر الروايات ، وضبطه الدمياطي في نسخته بدرج الهمزة وسكون العين على صيغة الأمر ، فرواية مسلم : فأراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء ، كما ذكرناه الآن تدل على أن رواية العامة أصوب . قوله : ( في الفريقين ) ، وهما من الأنصار وقوم من العرب كما صرح به مسلم على ما ذكرناه . قوله : ( كليهما ) ، يعني : كلا الفريقين ، ويروى : كلاهما ، قال الكرماني : هو على مذهب من يجعل المثنى في الأحوال كلها بالألف ، ثم قال : والفريق الأول : هم الأنصار الذين يتحرجون احترازا من الصنمين ، والثاني : هم غيرهم الذين يتحرجون بعدما كانوا يطوفون لعدم ذكر الله له . قوله : ( حتى ذكر ذلك ) ، أي : الطواف بينهما بعد ذكر الطواف بالبيت ، وذكر الطواف بالبيت هو قوله تعالى : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) . وذكر الطواف بين الصفا والمروة هو قوله : * ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) * ( الحج : 92 ) . بعد قوله : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) . ووقع في رواية المستملي وغيره ، حتى ذكر بعد ذلك ما ذكر الطواف بالبيت ، قال بعضهم : وفي توجيهه عسر قلت : لا عسر فيه ، فهذا لكرماني وجهه فقال : لفظ ما ذكره يدل عن ذلك ، أو أن : ما ، مصدرية والكاف مقدر كما في : زيد أسد ، أي : ذكر السعي بعد ذكر الطواف كذكر الطواف واضحا جليا ومشروعا مأمورا به . ذكر ما يستفاد منه : احتجت به الحنفية على أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، لأن قول عائشة ، رضي الله تعالى عنهما ، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ، يدل على الوجوب ، ورفع الجناح في الآية والتخيير ينفي الفرضية ، لا سيما من مذهب عائشة ، فيما حكاه الخطابي أن السعي بينهما تطوع ، وما ذهب إليه الحنفية هو مذهب الحسن وقتادة والثوري ، حتى يجب بتركه دم ، وعن عطاء : سنة لا شيء فيه ، وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود : هو فرض لا يصح الحج إلاَّ به ، ومن بقي عليه شيء منه يرجع إليه من بلده ، فإن كان وطئ النساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجه أو عمرته ، ويحج من قابل ، ويهدي . . كذا حكاه ابن بطال عنهم ، ونقل المروزي عن أحمد : أنه مستحب ، واختار القاضي وجوبه وانجباره بالدم ، وقال ابن قدامة : وهو أقرب إلى الحق ، وعن طاووس : من ترك منه أربعة أشواط لزمه دم ، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع ، وليس هو بركن . وذكر ابن القصار عن القاضي إسماعيل أنه ذكر عن مالك فيمن تركه حتى تباعد ، وأصاب النساء أنه يجزيه ويهدي ، وقال شيخنا زين الدين ، رحمه الله تعالى في ( شرحه للترمذي ) : اختلفوا في السعي بين الصفا والمروة للحاج على ثلاثة أقوال : أحدهما : أنه ركن لا يصح الحج إلاَّ به . وهو قول ابن عمر وعائشة وجابر ، وبه قال الشافعي ومالك في المشهور عنه ، وأحمد في أصح الروايتين عنه وإسحاق وأبي ثور لقوله صلى الله عليه وسلم : ( اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ) رواه أحمد والدارقطني والبيهقي من رواية صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجرأة بإسناد حسن ، وقال عبد العظيم : إنه حديث حسن قلت : قال ابن حزم في ( المحلى ) : إن حبيبة بنت أبي تجرأة مجهولة ، وقال شيخنا : هو مردود لأنها صحابية ، وكذلك صفية بنت شيبة صحابية ، والقول الثاني : إنه واجب يجبر بدم ، وقال الثوري وأبو حنيفة ومالك في ( العتبية ) كما حكاه ابن العربي . والقول الثالث : إنه ليس بركن ولا واجب ، بل هو سنة ومستحب ، وهو قول ابن عباس وابن سيرين وعطاء ومجاهد وأحمد في رواية ، ومن